جلال الدين السيوطي
436
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
وكان من أعلم الناس بنحو البصريين ، وينتحل في الفقه مذهب أهل العراق . وقرأ على أبي بكر بن مجاهد القرآن ، وعلى أبي بكر بن دريد اللغة ، ودرسا جميعا عليه النحو ، وقرأ على أبي بكر بن السّرّاج ، وعلى أبي بكر المبرمان النحو ، وقرأ عليه أحدهما القرآن ودرس الآخر عليه الحساب . وكان زاهدا لا يأكل إلا من كسب يده ، وكان لا يخرج إلى مجلس الحكم ولا إلى مجلس التدريس في كلّ يوم إلا بعد أن ينسخ عشر ورقات يأخذ أجرتها عشرة دراهم تكون قدر مؤونته ، ثم يخرج إلى مجلسه ، وكان يذكر عنه الاعتزال ، ولم يكن يظهر شيئا من ذلك ، وكان نزيها عفيفا جميل الأمر ، حسن الأخلاق ، توفي بين صلاتي الظهر والعصر في يوم الاثنين الثاني من رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة عن أربع وثمانين سنة ، ودفن في مقبرة الخيزران . انتهى . وقال أبو حيّان التوحيديّ في كتاب الإمتاع والمؤانسة « 1 » : أوصل وهب بن يعيش الرقي اليهوديّ رسالة يقول في عرضها بعد التقريض الطويل العريض أنّ هنا طريقا في إدراك الفلسفة مذللة مسلوكة مختصرة فسيحة ليس على سالكها كدّ ولا شقّ في بلوغ ما يريد من الحكمة ونيل ما يطلب من السعادة وتحصيل الفوز في العاقبة ، وأنّ أصحابنا طوّلوا وهوّلوا وطرحوا الشوك في الطريق ومنعوا من الجواز عليه غشّا منهم وبخلا ولؤم طباع وقلة نصح وإتعابا للطالب وحسدا للراغب ، وذلك أنّهم اتخذوا المنطق والهندسة وما دخل فيها معيشة مكسبة ومأكلة ومشربة ، فصار ذلك كسور من حديد لطلاب الحكمة والمحبّين للحقيقة والمتصفّحين لأبناء العالم ، وكلاما هذا معناه ، وإلى هذا يرجع مغزاه ، وكان من الجواب : قد عرفت مذهب ابن يعيش في هذا الباب ، وهو جاري ، وكتب هذه الرسالة على هذا الطراز بالأمس إلى الملك السعيد سنة سبعين ، وتقرّب بها ونفعته بالمسألة والتفقّد له ؛ فإنّه شديد الفقر ظاهر الخصاصة لاصق بالدقعاء . وللذي قاله وادعاه وقصده وانتحاه وجه واضح وحجة ظاهرة ، والذي قاله
--> ( 1 ) الإمتاع والمؤانسة : 1 / 104 - 134 .